الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
290
تفسير روح البيان
الطاعات وحلاوات العبادات وتنعمات القربات وفريق في سعير النفوس وظلمات المعاصي وعقوبات الشرك والجحود فكذلك غدا فريق هم أهل اللقاء فريق هم أهل الشقاء والبلاء وفي الحديث ان اللّه خلق للجنة خلقا وهم في أصلاب آبائهم وعنه عليه السلام ان اللّه خلق الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأهل الجنة أهلها وأهل النار أهلها وروى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضى اللّه عنه قال خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وفي يده كتابان وفي رواية خرج ذات يوم قابضا على كفيه ومعه كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول اللّه فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ان يستقروا نطفا في الأصلاب وقبل ان يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزآئد فيهم ولا بناقص منهم إجمال من اللّه عليهم إلى يوم القيامة فقال عبد اللّه بن عمرو ففيم العمل إذا فقال اعملوا وسددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وان عمل اى عمل وان صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وان عمل اى عمل ثم قال فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من اللّه تعالى قوله سددوا وقاربوا اى اقصدوا السدادى الصواب ولا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضى ذلك بكم إلى الملال فتتركوا العمل كما في المقاصد الحسنة للامام السخاوي ونظيره قوله عليه السلام ان هذا الدين يسرو لن يشاد الدين أحد الا غلبه يعنى ان الدين يشتمل على اعمال سهلة فمن تكلف والتزم في عبادات شاقة وتكلفات لربما لم يتيسر إقامتها عليه فتغلب عليه فالكسب طريق الجنة ولا بد منه وان علم أنه من أهل الجنة كسب را همچون زراعت دان عمو * تا نكارى دخل نبود آن تو وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ اى في الدنيا والضمير لجميع الناس المشار إليهم بالفريقين أُمَّةً واحِدَةً فريقا واحدا وجماعة واحدة مهتدين أو ضالين وهو تفصيل لما أجمله ابن عباس رضى اللّه عنهما في قوله على دين واحد وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ ان يدخله فِي رَحْمَتِهِ وجنته ويدخل من يشاء ان يدخله في عذابه ونقمه ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الادخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعا فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة بل جعلهم فريقين وَالظَّالِمُونَ اى المشركون ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ اى مالهم ولى ما يلي أمرهم ويغنيهم وينفعهم فمن مزيدة لاستغراق النفي وَلا نَصِيرٍ يدفع العذاب عنهم ويخلصهم منه وفيه إيذان بان الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته تعالى كما في الإدخال في الرحمة قال سعدى المفتى في حواشيه لعل تغيير المقابل حيث لم يأت المقابل ويدخل من يشاء في نقمته بل عدل إلى ما في النظم للمبالغة في الوعيد فان في نفى من يتولاهم وينصرهم في دفع العذاب عنهم دلالة على أن كونهم في العذاب امر معلوم مفروغ عنه وأيضا فيه سلوك طريق وإذا مرضت فهو يشفين وأيضا ذكر السبب الأصلي في جانب الرحمة ليجتهدوا في الشكر